حكايتي طويلة جدا، جئت لهذا البلد من سنوات، لم يكن هدفي العيش هنا لأكثر من شهر، إلا أني قد تجاوزت العام الثامن الآن، مررت بأيام قاسية جدا، رأيت الموت بعيني، مارست تجارة الأرصفة وبعت المناديل والجوارب، جلست على ضفة البوسفور في ليالي الشتاء الباردة، تقاسمت غرفتي مع كل أنواع المجرمين والمحرومين من جنسيات مختلفة، قاومت إغراء الانحراف طويلا ولولا لطف من الله لهممت وغرقت، تعثرت حتى كدت أيأس من الحياة، حلمت بالهجرة بعيدا عن بلدي وهذا البلد، حاولت مرارا... تجاوزت في سبيل ذلك كل الحدود إلا الحدود الجغرافية، أخطط لشهور وسنوات، أجمع المال لأجل السراب، حتى تحين لحظة الحقيقة أخسر كل شيء في لمح البصر.. بتأثر يلفظ كلماته، ويمسح دموعا غالبته، تنهد عميقا.. وبادره أحدهما سائلا..
- ماذا عن عائلتك؟ زوجتك؟ تملكني فضول كبير لمعرفة المزيد عنك...
سافرت بعد عام من الزواج، فاجأت زوجتي في عيد زواجنا بمشروع الحلم الأوروبي، كنا معا نطمح لحياة أفضل رغم تحفظها من الهجرة كحل مطروح.. لم تتحفظ هي فقط، لكني أجزم أن ابنتي كانت كذلك وهي في بطنها، تركت أمي رحمها الله بدموعها على أمل عودتي بعد أسبوعين، كذبت عليها، وعلى أبي.. آه.. حرقة الفراق والندم على فعلتي تقتلني في اليوم مرات ومرات...
- ماذا عن حالك الآن؟ لا تبدو عليك آثار مهاجر غير شرعي..
ما أخبرتكم به هو جزء بسيط من رحلتي، بعدها جاءت حلقات وحلقات.. لندعها في مناسبة قادمة.. لم أعتد قص حكايتي على أي كان، لا أدري ما الذي سلبني فيكما لأبوح بكل هذه التفاصيل..
دعونا نتحدث في أشياء أخرى.. سيصل القادمان من المستشفى إلينا بعد دقائق، نتناول غذاءنا ثم نذهب للبيت..
- هذا كرم كبير منك سيدي.. لكن من هما يا ترى؟ وكيف ومن أين علما بوجود صديقنا في المستشفى؟
...يتبع